تحفيز الموظفين نظريات الإدارة بيئة العمل

ما الذي يحرّك الموظف؟ رحلة في نظريات التحفيز

هذا المقال يفكّك الجانب الإنساني الخفي خلف نجاح المؤسسات العالمية، حيث لا تصنع المنتجاتُ التفوّقَ بقدر ما يصنعه فهمُ ما يحرّك العاملين من الداخل.

ليسانس في دراسات التواصل الدولي وخبير في إدارة المحتوى الرقمي، شغوف بالتسويق والإدارة
11 يناير 2020
يُعدّ التحفيز أمراً مهماً لدى المؤسسات بهدف الحفاظ على العاملين لديها، وقد بلغ من الأهمية مبلغاً جعله محطّ أنظار العديد من الباحثين والدارسين على حدٍّ سواء، فوُضِعت نظريات وأفكار منذ سبعينيات القرن العشرين لمحاولة فهم الطرق الأكثر فاعلية لكسب ولاء الموظفين وضمان بقائهم في المؤسسة. سنحاول في هذه الأسطر التعرّف على الطرق الأكثر فاعلية التي تستخدمها المؤسسات الكبرى في تحفيز موظفيها، كما سنقف على أبرز النظريات في هذا المجال، تلك التي استطاعت أن تُحدِث تأثيراً كبيراً في عالم المؤسسات الدولية. كثيراً ما تُدهشنا الاختراعات والابتكارات التي تقدّمها المؤسسات العالمية، كشركات آبل وسامسونج وجوجل وغيرها من العمالقة، لكننا لا نتساءل في الوقت ذاته عن الجانب الأكثر غموضاً في هذه المؤسسات بقدر ما نتساءل عن منتجاتها التي جاءت بفضل العاملين بها. تركّز هذه المؤسسات بشكل كبير على موظفيها، وتحاول فهم حاجاتهم الأساسية وتفسيرها بهدف تعزيز نشاطها التجاري؛ ولذلك تتّخذ طرقاً مختلفة لتحفيزهم

أولاً: النظريات القائمة على الحاجة (Need-Based)

تُعدّ النظريات القائمة على الحاجة من أبرز ما تستخدمه المؤسسات للحفاظ على موظفيها، وهي تقوم على أن تلبية رغبات الإنسان يمكن أن تكون دافعاً للحفاظ عليه وتشجيعه. ومن أهمّها: تسلسل ماسلو الهرمي للحاجات (Maslow's Hierarchy of Needs) يرى عالم النفس "ماسلو" أن للأشخاص احتياجات مختلفة يمكن للشركات والمؤسسات فهمها من أجل تحفيز الموظفين بشكل أفضل، وكسب ولائهم الوظيفي، وتحسين مستوى رضاهم. وهذه الحاجات بحسبه هي:

1. تسلسل ماسلو الهرمي للحاجات (Maslow's Hierarchy of Needs)

  • • الحاجات الفسيولوجية (Physiological): وتشمل أساسيات الحياة مثل الغذاء واللباس.
  • • الحاجة إلى السلامة (Safety): وتعني أمن الوظيفة، بمعنى ألّا يخشى الموظف فقدان وظيفته.
  • • الحاجات الاجتماعية (Love/Belonging): وتعني اهتمام المؤسسة بحالة الموظف الاجتماعية (الأسرة، الأصدقاء).
  • • احترام الذات (Esteem): كالاعتراف بنجاحات الموظف وتقديره، وتشمل مكانته والجوائز التي يحصل عليها.
  • • تحقيق الذات (Self-actualization): على الرغم من صعوبة بلوغ هذا الهدف وكونه مؤقتاً، فإنه يُعدّ عاملاً من عوامل الحاجة؛ إذ يرغب الإنسان دائماً في تحقيق هدفه الأكبر والأشمل الذي يمثّل آخر مراحل طموحه. غير أن هذه الحالة تظلّ مؤقتة، لأن الإنسان كلما حقّق هدفاً انتقل إلى آخر.
وهذه المراحل تدريجية؛ فإن لم يتمكّن الموظف من تحقيق الحاجة الأولى (الغذاء مثلاً) فلن يسعى إلى التي فوقها (الأمن أو الوظيفة)، فيبقى عالقاً في المرحلة الأولى. وبتحقيقه لها ينتقل إلى المرحلة التالية، وهكذا.

نظرية إرج (ERG)

هي تطوير لهرم ماسلو، وضعها عالم النفس الأمريكي "كلايتون ألديرفر"، الذي يرى أن هناك ثلاث مجموعات من الاحتياجات الأساسية:

نظرية إرج (ERG)

  • • الوجود (Existence): وتشمل الحاجتين الأولى والثانية لدى ماسلو (الغذاء، المأوى، والسلامة).
  • • الترابط (Relatedness): وتعني ما ذكره ماسلو في الحاجات الاجتماعية (علاقة الفرد بأسرته).
  • • النمو (Growth): وتعني ما ذكره ماسلو في الحاجتين الأخيرتين (احترام الذات وتحقيق الذات).

نقاط الخلاف مع ماسلو

وتختلف هذه النظرية عن ماسلو في أن الأخيرة ترى أن الإنسان لا يبحث عن مرحلة قبل أن يحقّق ما قبلها، بينما ترى نظرية ERG أن فشل الموظف في تحقيق مرحلة ما يدفعه إلى تكثيف جهوده لتحقيق مرحلة ذات صلة، بدل البقاء في المرحلة التي أخفق فيها.

3. نظرية الحاجات المكتسبة (Acquired-Needs Theory)

تنظر هذه النظرية إلى الموظفين من ثلاث زوايا: الإنجاز، والانتماء، والسلطة (القوة).
  • • الإنجاز (Achievement): يرى صاحب النظرية "ديفيد ماكليلاند" أن الموظفين يعملون بجدٍّ أكبر إذا أرادوا تحقيق إنجاز معيّن؛ فهم أكثر حماساً للمهام التي يستحق إنجازها الإشادة، ويفضّلون المهام الصعبة نسبياً، بحيث تكون النتيجة ثمرة جهدهم ولها قيمة تستحق ردود الأفعال.
  • • الانتماء (Affiliation): يرى ماكليلاند أن الانتماء إلى مؤسسة ما يشجّع الموظف بشكل أفضل، إذ يعدّ نفسه جزءاً من منظومتها المتكاملة، فيبذل جهداً أكبر لأنه يستمتع بعمله بفضل العلاقات الاجتماعية، ويشعر بالحب والانتماء لها.
  • • السلطة/القوة (Power): تُعدّ دوافع القوة حافزاً يشجّع الموظف على بذل جهد أكبر إذا أراد التأثير في بقية الموظفين بعمله؛ وفي هذه الحالة يدرك الموظفون أن فوز أحدهم قد يعني خسارة الآخر، وهذا دافع في حدّ ذاته كي لا يخسر أحدٌ مكانه.
ملاحظة
  • لا تصنّف هذه النظرية الموظفين تصنيفاً قاطعاً ضمن هذه الخانات الثلاث، بل تؤكّد أن هذه العوامل تحفّز الناس جميعاً بدرجات متفاوتة

ثانياً: النظريات القائمة على العملية (Process-Based)

على خلاف نظريات الحاجة، ترى نظريات العملية أن الدوافع عملية عقلانية. ومن أبرزها:

نظرية الإنصاف (Equity Theory)

يرى أصحاب هذه النظرية أن العاملين يقيّمون أداءهم وفق مبدأ الإنصاف العادل؛ فالموظف يقيس معاملة الإدارة له بمعاملتها لزملائه في المجال نفسه. والمعاملة العادلة تحفّز العاملين على الحفاظ على عملهم دون مشاكل. وتأخذ هذه المعاملة في الاعتبار المدخلات والمخرجات معاً:
  • 1• المدخلات (Inputs): ما يقدّمه الموظف للمؤسسة.
  • 2• المخرجات (Outcomes): ما يحصل عليه منها، ملموساً كان (الراتب) أو غير ملموس (الإشادة).
ولتوضيح دور النظرية نسوق هذا المثال: يعمل زيد وعمر في مؤسسة واحدة وفي مجال متقارب. يلاحظ زيد أن عمر يتقاضى راتباً شهرياً يزيد على 250 ألفاً، بينما لا يتجاوز راتبه هو 200 ألف؛ فيكون أقلّ رضاً لأنه يرى أن المؤسسة لا تعامله كما تعامل عمر. لكنه يدرك بعد فترة أن عمر يعمل 8 ساعات يومياً بدلاً من 6 ساعات، فيتحسّن شعوره نظراً للتوزيع العادل؛ فما يقدّمه عمر أكثر، ومن الإنصاف ألّا يتقاضى زيد مثله. فالموظف يقيس أداءه بأداء زملائه — ولو في مؤسسة أخرى — كي يشعر بالرضا، وهذا يفرض على المؤسسات الاهتمام بهذا الجانب في تعاملها مع موظفيها.

نظرية التوقّع (Expectancy Theory)

ترى هذه النظرية أن الموظف يُقدِم على عمل معيّن بناءً على تجارب سابقة وثقة نفسية بأن هذا العمل قد يحقّق له مكافآت معينة، كالترقية أو زيادة الراتب أو الاعتراف؛ فهو يتوقّع مكافأة، وعليه أن يعمل بشكل أفضل (كمضاعفة ساعات العمل مثلاً). ومن المهمّ للمدراء الاطّلاع على هذه التوقعات تفادياً لسوء الفهم الذي قد يؤدّي إلى تلاشي الحافز لدى الموظف.

ثالثاً: نظريات الإدارة والسلوك

1. نظرية إكس (Theory X)

  • 1ينظر صاحبها "دوغلاس مكجريجور" إلى الموظفين من منظور مختلف تماماً عمّا سبقه، إذ يرى أن لموقف المدير تأثيراً قوياً في تحفيزهم. وتفترض هذه النظرية:
  • 2• أن الموظفين يرون العمل مملاً وغير محبّب (Distasteful)، ويحاولون تجنّبه بأي وسيلة.
  • 3• أن كثيراً منهم لا طموح لديهم، ولا يرغبون في تحمّل المسؤولية.
  • 4• أن معظمهم قليلو الإبداع وغير مستعدين لحلّ المشكلات.
  • 5• أن معظمهم يركّزون على أنفسهم، ولذلك يجب التحكّم فيهم بشكل مكثّف، وكثيراً ما يُجبَرون على تحقيق هدف معيّن.
ويذهب "مكجريجور" في نقده إلى حدّ وصفهم بالسذاجة وقلّة الذكاء (Gullible and Unintelligent)، ويرى أن المصدر الأساسي لدوافعهم هو النقد. فالمقاربة الصارمة للتحفيز لدى هذه النظرية تتضمّن الإكراه والتهديدات الضمنية والإدارة القوية والضوابط المتشدّدة، هدفها تعاون الموظفين مع الإدارة فور مطالبتهم بذلك. وترى النظرية أن الحاجات العليا لدى ماسلو (تحقيق الذات) غير موجودة، إذ لا تعترف بها في مجال العمل.

2. نظرية واي (Theory Y)

على النقيض من سابقتها، ترى هذه النظرية أن الاحتياجات العليا (تحقيق الذات) هي أبرز عوامل النجاح في تحفيز الموظفين، وتفترض:
  • • أن العمل قد يكون طبيعياً تماماً كاللعب إذا توفّرت له بيئة ملائمة.
  • • أن الموظفين قد يصبحون موجَّهين ذاتياً ومبدعين إذا التزموا بأهدافهم.
  • • أن العامل يصبح أكثر حماساً ورغبةً في تحقيق جودة عالية إذا توفّر له الجو المناسب.
وتقتضي نظرية Y، عند الالتزام بها، أن تكون الإدارة أكثر لامركزية، فيحصل الموظف على بعض المهام الإدارية بما يرفع ثقته، وتصبح الإدارة أكثر انفتاحاً، تأخذ بآراء الموظفين وتستشيرهم في صنع القرار.

3. نظرية زد (Theory Z)

يتبنّى "وليام أوتشي" هذه النظرية القائمة على أن الإدارة مطالَبة بمساعدة العمال ليصبحوا "أخصائيين"؛ فالتناوب والتدريب المستمر عاملان قويان في جعل الموظفين أكثر معرفة بمؤسستهم، وأقدر على فهم عملياتها الأكثر تعقيداً، ما يجعلهم أكثر تفانياً، وهو ما يعود بالنفع على المؤسسة، ويمنح الموظف فرصة لتطوير مهاراته. وتضيف النظرية أن الموظفين يسعون إلى بناء علاقات وثيقة مع زملائهم، ولديهم رغبة في الانتماء، ويتوقّعون من الإدارة أن تتعاون معهم، ويقدّرون بيئة العمل بوصفها جزءاً من الحياة كالأسرة والثقافة والتقاليد. ويُفترض أن تمنح المؤسسة الموظف نوعاً من التحكّم غير الرسمي كمسؤولية فردية، وأن تهتمّ برفاهيته وسعادته وتوفّر له جواً مناسباً. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية متأثّرة بالثقافة اليابانية التي تعامل الموظف بوصفه جزءاً لا يتجزأ من المؤسسة، حتى إن المؤسسات اليابانية لا تفكّر في الاستغناء عن موظفيها حتى في حالات الإفلاس الشديد.

خاتمة

هذه أبرز النظريات المتعلّقة بتعامل المؤسسات مع موظفيها، وبطرق التحفيز المختلفة التي تتباين من مؤسسة إلى أخرى سعياً إلى الريادة والجودة.
المصادر
  • كتاب introduction to business
  • شرح استاذ التسويق Max
  • مصادر أخرى
زر الذهاب إلى الأعلى